محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

718

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وإمّا بقر وإمّا بعير ، ولم يبق في كلامهم إلّا دعاء ونداء ، وهذا حكم دعوة المتبوعين ، أمّا حكم الأتباع فهم صمّ بكم عمي ، والمقلّدون كلّهم صمّ بكم عمي إذا لم يكن متبوعهم ومقتداهم مهتديا صادقا يعقل عن اللّه أمره ، وإذ كان دعاؤه ونداؤه نعيقا كان حال من قلّده الصمم والبكم والعمى وعدم العقل ؛ وإذ وجب تطبيق المثل على الممثول له فالنعيق أولى بالداعي منهم والبهيمة أولى بالأتباع منهم . وسرّ آخر : إنّ مفصل الخلاف في أصل الدين ومنشأ الضلال للضالّين هو اتّباع كلّ ناعق وتقليد كلّ مدّع ومنافق من غير أن يثبت صدق قوله عند التابع ؛ فلا المتبوعون أثبتوا صدق قولهم واهتداء عقلهم أوّلا ثمّ دعوا الناس إلى مقالتهم ، ولا التابعون قلّدوهم على بيّنة واتبعوهم بإحسان ؛ وكما جرت السنّة بمثل هذا في الأمم السالفة كذلك جرت في هذه الأمّة مع زيادة خزي ونكال ، وأنّ المتبوع ( 293 ب ) ربّما يمنع من تقليده وتقليد غيره ويقول : علمنا هذا رأي رأيناه فلا ألزم الغير تقليدي ، ولا أنا أقلّد غيري ، بل التقليد في أصول الدين كفر قبيح ، والحقّ في فروع الدين ليس بمتعيّن ولا مقصور على واحد بعينه ؛ إذ الحقّ في أحد المذاهب لا بعينه ، وأمّا الأتباع فإنّما لهم مذاهب اتّفاقية ولدوا عليها ووجدوا آباءهم وأسلافهم معتقدين بها ؛ فليس لأحد حجّة وبرهان على صدق قول متبوعه في جميع ما ذهب إليه ؛ واللّه سبحانه يقول : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ فبيّن أنّ العاقل المهتدي يستحقّ أن يكون هاديا لغيره ؛ فوجب على التابع المقلّد أن يطلب منه برهانا على كونه ذلك المهتدي حتّى يقلّده ، أو يجب على المتبوع الهادي أن يقيم برهانا على كونه مهتديا حتّى يستتبع غيره ؛ فإذ لم يكن الأتباع على بيّنة من الطالب ضعف الطالب والمطلوب ؛ وإذ لم يكن الاستتباع على بيّنة من المتبوع خسر التابع والمتبوع . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 172 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) النظم صرف الخطاب من الناس عامّة إلى الذين آمنوا خاصّة ؛ فدخل في الخطاب الأوّل